• ×
الإثنين 2 ربيع الأول 1439 | منذ أسبوع

التنمية الثقافية.. نادي الباحة نموذجا

التنمية الثقافية.. نادي الباحة نموذجا
ملحق الاربعاء - المدينة ناصر بن محمد العُمري  

الأندية الأدبية كمؤسسات ثقافية ترعى شؤون الثقافة والأدب والفكر ومعنية بكل ما له علاقة بهذا الشأن لا تحظى بالرضى الكامل من قبل جمهور المثقفين وعلاقتهم بها تتأرجح بين الرفض وقلة الاهتمام وفي لحظات مارقة تحظي بشيء من الاستحسان، والأكثرية الكاثرة من الأسباب لهذا الواقع يأتي بسبب ضعف حراك الأندية وعدم قدرتها على التجديد واستنفادها شرط وجودها، كما يرى البعض من المتلقين الذين يمثلون دور المرآة العاكسة لنشاطات الأندية.
ولأن حراك تلك المؤسسات هو انعكاس طبيعي للشخصية الثقافية المحلية التي تتجه نحو المطمئن وتنأى عن ما قد يثير بعض الغبار وجدنا التكرار سمة فاقعة في المشهد الثقافي. يحدث هذا رغم أن الإبداع هو في مجملة "نفور من الطمأنينة الدائمة وعزوف عن التقليد المستمر ورفض للنمط وترحيب واسع بالمستجد وبحث دائب عن المستحدث".
ونادي الباحة الأدبي ليس استثناءً من واقعنا الثقافي المولع بالبحث عن الهاديء المستكن النائي عن خلق الجديد، ومع هذا وجهة نظري الشخصية في أنه عهد مجلس الإدارة الجديد استطاع هذا النادي المبادأة والمبادرة ونجح في بعض تلك الخطوات التي افتعلها رغم الدوران في القالب الشكلي الجاهز للنشاط؛ لكنه توجه بجدية نحو "التنمية الثقافية والإثراء المعرفي" بدليل أن ملتقى الرواية بات سفرًا ضخمًا لدراسات جادة تساءل المنجز وتقف على جوانبه وتستنطق جمالياته وتعري واقعه، كما أن مشاركة النادي الأدبي بالباحة في فعاليات الجنادرية جاءت على نحو مختلف وجاد في مجال كسر النمط التقليدي في تقديم النشاط عبر "البحث عن المتلقي بدلاً من انتظاره"، والتوجه نحو بث الأمسيات عبر الوسائط الحديثة والمتعددة تبعًا لما يرضي ذائقة المتلقي "بتقديم المنجز عبر وسيط يفضله".
شخصيًا أعتقد أن النادي الأدبي بالباحة لم يستطع حتى اللحظة الخلوص بعمل يكرس لشخصية المكان منطلقًا من التراث عبر نشاط يتسم بفعل الديمومة والثبات وإبراز الشخصية الثرية للمكان، ويمكن أن نضرب هنا بمثال حي على هذا التوجه بإقامة ملتقى "الشنفرى" كونه من أبناء الباحة بحيث تكون هذه الشخصية المرتهن الذي ينطلق نحو آفاق التنمية الثقافية بمفهومها الواسع.
أقول رغم أنه من الممكن ضخ المزيد من النشاط والحركة في جسد المعطى الثقافي والأدبي عبر مثل هذه الاشتغالات التي تركز على التراث وتنطلق نحو الحاضر وتبرز شخصية المكان وخصائصه المائزة فإن هذا لا يلغي أن للنادي الأدبي إشراقات مختلفة وحضور ملفت واهتمامات تذكر لا تفسير لها إلا أن الرؤية التي يعمل وفقها النادي واضحة ومعدلات الوعي مرتفعة لدى من يسيرون أمر النادي.
هنا يتجه الحديث نحو نجاح النادي في استلال مناشط بعينها تؤكد أن هناك عملاً جادًا يتجاوز منفذوه المنطلقات الشخصية نحو آفاق العمل الثقافي المتورط في الإثراء دون التأثر بالراهن المحيط وإشكالاته، ولعل قصيدة النثر واحدة من أكثر الأجناس الشعرية التي أحيطت بالكثير من الرفض والبلبلة والإقصاء واعتبارها خارج دائرة الشعر ومازالت الفجوة بينها وبين النقاد والمتعاطين مع الشأن الأدبي واسعة وعميقة، هذا الواقع لم يثن نادي الباحة الأدبي عن توجيه جزء ملموس من اشتغالاته ونشاطاته وبرامجه للتكريس لهذه القصيدة الحديثة.
يحدث هذا رغم أن حسن الزهراني رئيس النادي شاعر يتفيأ خيمة العمودي ويعشق الوزن الخليلي وفي أحسن أحواله يفتل خيوط منجزه الشعري على ضفاف التفعيلة، فيما عضو مجلس الإدارة محمد عبدالله فرج لا يغادر العمودي إلا قليلا.. وما يقال عن الأستاذ حسن ومحمد فرج ينطبق على عبدالرحمن معيض سابي رغم "تراتيله الصوفية في مجموعته الشعرية "أشواق الصوفي"، ومع هذا نجد النادي يتجاوز هذا الواقع ويشرع أبوابه محتفيًا بقصيدة النثر والترويج لها عبر منبر النادي كان آخرها "أمسية ثقافية احتضنها النادي عن جماليات القصيدة العربية المعاصرة"، ورغم أن العنوان نأى عن التسمية المباشرة بـ"قصيدة النثر"؛ إلا أن المضمون كان حديثًا موسعًا عن قصيدة النثر وجمالياتها.. وكان الحضور المتحفظ على قصيدة النثر والرافض لها والبعيد عن الاقتناع بها يتحول في نهاية المحاضرة إلى مقتنع بجمالياتها متخففًا من الكثير من تلك الأفكار التي كانت تشكّل أحرف أبجدية الرفض للقصيدة.
واتجه النادي وجهة أخرى نحو تكريس جزء من نتاجه المطبوع لخدمة هذا اللون عبر طباعة كتب عنوانه "قصيدة النثر العربية بين سلطة الذاكرة وشعرية المساءلة" للدكتور عبدالناصر هلال الذي كان في مجمله "انحيازًا لقصيدة النثر واحتفاءً بها ويناقش بعمق ما في هذه الظاهرة الجمالية المعقدة من بروز وتميز مستحضرًا دواعي وجودها المنطقية والتي فرضها واقع الإنسان المعاصر والمعطيات والتحولات".
هذه اللحظات المشعة من عمل النادي تبرز لنا اهتمام النادي بما يمكنني أن أطلق عليه التنمية الثقافية التي تتجه نحو ممارسات تسعى لخلق رؤية فكرية معاصرة وتصنع متلق عصري منفتح على الآفاق الجمالية قادر على قراءة المنجز الإبداعي وفق آليات تعينه على الفهم الحقيقي للمنجز وهو هدف غير منظور ولا معلن ولا متعين لكنه متحقق على أرض الراهن الثقافي.

بواسطة :
 0  0  655
التعليقات ( 0 )
أكثر
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:59 صباحاً الإثنين 2 ربيع الأول 1439.
Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع الحقوق محفوظة النادي الأدبي بمنطقة الباحة 2012